-------------------------

ثورة سوريا

قصة توبة

عرض المقال
 
قصة توبة
2751 زائر
20-09-2010 09:54
أحمد بن عبد الرحمن الصويان

قوافل التائبين والتائبات في شهر رمضان المبارك تزداد اتساعا ونموا ولله الحمد والشكر ، وأحسب أن كل واحد منا يعرف من أخبارهم وأيامهم ما يستحق التدوين .. وقد رأيت موقفا أثر بي كثيرا أردت أن أذكر لكم خبره لعل فيه عبرة وعظة لنا جميعا .

سكنت في رمضان في مكة في عمارة توجد فيها حملة من عمار إحدى الدول العربية، وجاءتني فرصة للجلوس والحديث مع بعضهم ، فطلب مني أحدهم أن يجلس معي على انفراد، كان عمره قريبا من الخامسة والستين ، وبدأ حديثه معي قائلا : أنا يا ابني عايز أتوب لكن مش قادر .. !

ثم أجهش ببكاء حار يتقطع له القلب ..

قلت له : ربنا يقبل التوبة من عباده ، ومن فضل الله علينا أنه يبدل سيئات التائبين إلى حسنات .

فقال مقاطعا : إلا أنا ..!

ثم راح يسرد قصته بصوت متهدج يغالب عبراته :

ما تركت معصية صغيرة ولا كبيرة إلا فعلتها، وما كنت أعرف الله ـ عز وجل ـ في قولي أو عملي، وما أعلم أنني ذهبت إلى المسجد إلا في الأعياد ، وكانت زوجتي تلح علي أن نأتي إلى مكة لأداء العمرة ، وبعد طول إعراض قبلت أن آتي معها وأنا أحدث نفسي أن الرحلة ستكون للتسلية والسياحة ، حتى إذا لبسنا ملابس الإحرام شعرت بشىء غريب في نفسي لا أعلم تفسيرا له ، فلما وصلنا إلى الحرم المكي ورأيت الكعبة المشرفة ، بدأت أرتجف من الخوف ، وأحسست أن قلبي سينخلع من صدري من شدة الرهبة .. !

طفت مع الطائفين لكنني لم أستطع أن أتكلم بكلمة واحدة ، كنت أبكي على نفسي ، وكلما أردت أن أدعو تذكرت المعاصي التي فعلتها فأشعر بخوف شديد ، وخجل من الله ، وهل يحق لي أن أفعل ما فعلت ثم آتي إلى حرم الله .. ؟!

والله إنها أول مرة أتذكر الله سبحانه وتعالى ، لكن بعد فوات الأوان .. !

انتهينا من العمرة ثم جلسنا نستريح .. كان أصحابي يتحدثون مع بعضهم ، وكنت في واد بعيد .. كنت أتمنى أن أتخلص من جلدي وأعود إنسانا آخر .. لكنني أدرك أن هذا من المستحيلات فأنا لا أستحق ذلك ، وكلما أردت أن أتفاءل تذكرت طامة من الطوام التي فعلتها ، فيتزلزل قلبي ، لدرجة أنني أردت أن أهرب وأعود إلى بلدي .. !

فقلت له : لا تقلق فأنت في حرم الله ، وبجوار بيت الله ، فأحسن ظنك بالله، ثم قرأت عليه قول الله تعالى : (قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر: 53)، ثم شرحت له معنى الآية ، وأعدت قراءتها عليه ، وكان ينظر إلى بدهشة شديدة ، وكأنه لا يصدق ما يقول .. !

ثم قال بلهفة واضحة : يعني هل أستطيع أن أتوب ؟ بصراحة يا ابني أنا فعلت كذا ، وفعلت كذا .. !

فقلت له : أنت سمعت قول الله تعالى : ( يغفر الذنوب جميعا ) ، وقد صح عن رسول الله أنه قال : ( التائب من الذنب لا ذنب له ) ، بل من فضل الله وكرمه أنك إن كنت صادقا فإن الله يبدل السيئات حسنات، ثم تلوت عليه قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير) (التحريم: 8).

فأخذ يمسح دموعه والابتسامة تملأ وجهه ، ويستحلفني بالله هل هذا الكلام أكيد ، و أراد أن يقبل يدي ، ثم استأذن على عجل يريد أن يبشر زوجته .. !

قصة ليست عابرة تحمل دلالات ومعانٍ عميقة ، من أهمها : أن الإنسان المسلم مهما تلوث بالمعاصي والذنوب ، ومهما أسرف على نفسه ، فإن بذرة الخير موجودة في قلبه ، فإذا أراد الله بعبده خيرا صقل قلبه وشرح صدره ، كما قال تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (الأنعام:125). وهؤلاء المقصرين إذا أحسنا مخاطبتهم واستطعنا استنبات البذرة الكامنة في نفوسهم فإنهم سرعان ما يعودون إلى ربهم سبحانه وتعالى.

فاحمدوا الله على النعمة ، واسألوه الثبات على الرشد .

*رئيس تحرير مجلة البيان .

   طباعة 
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
 
 
التعليقات : تعليق
 
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 1 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
 
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
 
 
جديد المقالات
 
جديد المقالات
 
 

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

اعلان
القائمة الرئيسية

القائمة العامة

الصوتيات والمرئيات

استراحة الموقع

احصائيات الزوار

احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 3093
بالامس : 1174
لهذا الأسبوع : 8679
لهذا الشهر : 23279
لهذه السنة : 230611
منذ البدء : 2671945
تاريخ بدء الإحصائيات: 9-5-2011 م

القائمة البريدية


أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا

مواقيت الصلاة

جديد الفلاشات

ثورة سوريا