-------------------------

ثورة سوريا

جاري احسن من إدمان الماريجوانا إلى المجاورة في بلد الله الحرام..

عرض المقال
 
جاري احسن من إدمان الماريجوانا إلى المجاورة في بلد الله الحرام..
2822 زائر
12-06-2011 04:54
عبدالعزيز بن محمد الحويطان

جاري اْحسن من إدمان الماريجوانا

إلى المجاورة في بلد الله الحرام..

لم يكن السفر لأوربا بعيدا عن ناظري اْحسن، فهو كغيره من شباب الجزائر خاصة والمغرب العربي عموما يحلم بالمال والمستقبل وتكوين ثروة مادية والعودة بعدها إلى دياره لأجل الزواج والاستقرار وبناء عش الزوجية، فحالة الحكومة الجزائرية آنذاك – أواخر الثمانينات - مزرية وتوفر وظائف العمل معدومة، وبالنسبة لأحسن فالسفر للخارج هو خياره الوحيد لاسيما وقد قُتل أخوه الأكبر بسبب أحداث العنف في الجزائر فأصبح هو المسؤول عن والديه وإخوته، إضافة لفقر الأسرة مما أجبره على الانخراط في العمل مبكرا لتوفير لقمة العيش.

كانت نشأت أحسن منذ صغره نشأة في بيئة محافظة فأهل قسنطينة المدينة الجزائرية شرقيو الطباع والأخلاق، ومتعودون على المساجد لم يفسدهم الاستعمار كثيرا أو يؤثر على أخلاقهم وقيمهم، وقد كان مع جماعة من شباب الحي يلعبون الكرة وينتظمون في دروس المسجد لحفظ القرآن وطلب العلم على يدي بعض المشائخ، وحصل أن بنى هؤلاء الشباب مسجدا مؤقتا ريثما يتم إعادة بناء المسجد الرئيس الذي أغلق بسبب تقادمه والخوف من سقوطه.

إن أحداث الثورة في الجزائر أي الثورة الإسلامية ووقوف القوى العلمانية الغربية العميلة في الجزائر ضدها وتسارع الزمن والفقر عجل بسفر بو رصاص إلى بريطاني عندما سنحت له الفرصة، وهناك دعى ربه بحرقة أن يرزقه زوجة انجليزية حبا في الإقامة بتلك البلاد للحصول على فرصة للعمل، وكان أفضل طريق وأخصره أن يتزوج بامرأة تحمل الجنسية البريطانية حسب قانونهم، ويسر الله له أمره بخلاف أصحابه فتزوج امرأة مطلقة لها طفلتان مكنه ذلك من الإقامة الدائمة في بريطانيا، وامتهان حرفة تركيب الزجاج للعمارات الكبيرة ذات الأدوار المتعددة وناطحات السحاب، حيث وفق لاختيار هذه المهنة وإجادتها، فدرت عليه دخلا مميزا وصل مع مرور الوقت إلى 150جنيها استرلينيا يوميا أو ما يقارب (800-800) جنيها أسبوعيا.

لم يكن اْحسن متمسكا بدينه في ذلك الوقت، فقد كان شابا طائشا كغيره من الشباب والذي لا تتعدى طموحاته إشباع نزواته والحصول على المال، مما سهل له إدمان الحشيش الماريجوانا وتدخينه بشراهة، وذلك بسبب اختلاطه بطبقات من العمال الذين جاؤوا من جزر الكاريبي، فكانوا يدمنون عليها ليل نهار، ويسروا له الحصول عليها بدون جهد وبتكلفة معقولة، حتى أنه يقول: (لو أخرجت يدي من نافذة مسكني لتهافت المروجون لبيعها علي، ويكفي: أن أحد المروجين منزله أمام منزلي).

لم يدم زواج أحسن مع زوجته الانجليزية لاختلاف الطباع بينهما، وبسبب اختلاف الديانتين بينه وبينها والتي أبت الدخول في الإسلام وأصرت على دينها رغم إعجابها بالإسلام ومشاهدتها له يصلي في المرات النادرة التي كان يصليها، وبسبب حدتها وأخلاقها السيئة وإدمانها الشديد للخمور، فحصل الطلاق بينهما بهدوء بعد عواصف من الشجار واختلاف الآراء تحدث بين فينة وأخرى طيلة خمس سنوات من الزواج رغم أنه قام برعاية ابنتيها خير رعاية كأنهما ابناه.

استقر اْحسن في غرفة عند زملائه في العمل استمر من خلالها في ممارسة عمله في تركيب الزجاج، والتي استمرت سنوات طويلة 20 سنة ماضية.

لم تتغير طبائع أحسن فقد كان يدخن الماريجوانا بشرهة مما أثر على مزاجه وجلب له الأسقام والأمراض والالتهابات الصدرية المستمرة، فضلا عن تأثيرها النفسي السلبي عليه، فقد كان صدره يمتلئ بالأصوات الغريبة والحشرجات المتعددة ويفرز البلغم بشكل مستمر ولا يستطيع التنفس إلا بصعوبة ودائما يسعل بمعدل نصف دقيقة بسبب التدخين والماريجوانا، ورغم كل ذلك فقد كان يشعل السيجارة من هذا المخدر تلو السيجارة، راميا بصحته عرض الحائط مستسلما لنزواته ورغباته البهيمية (أُوْلَـٰٓٮِٕكَ كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلۡغَـٰفِلُونَ)، يصبِّح بها ويمسي عليها فلم يكن يردعه دين أو خلق أو حياء حتى من الناس، في غربة شديدة بعيدا عن الأهل والأصدقاء، حتى الزواج الذي عزف عنه ربما فرض عليه نمطا معينا من الحياة ولكنه لم يتوزج.

فضلا عن امتهان المنكرات والكبائر (وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُہۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُ‌ۚ ) رغم أنه لم يكن يدمن الخمور فما شربها سوى مرتين في الخمسة عشرة سنة الأخيرة مستسلما لإملاءات الشيطان وغوايته (ٱلشَّيۡطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُڪُم بِٱلۡفَحۡشَآءِ‌ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةً۬ مِّنۡهُ وَفَضۡلاً۬‌ۗ وَٱللَّهُ وَٲسِعٌ عَلِيمٌ۬) (وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡہِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِى ٱلۡأَمۡوَٲلِ وَٱلۡأَوۡلَـٰدِ وَعِدۡهُمۡ‌ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ) (يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيہِمۡ‌ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ).

ومن الحسنات في حياة اْحسن المليئة بالسيئات بره المستمر بوالديه، حيث كان يتصل على أمه شبه يومي ويشعر بالمسؤولية تجاههما، فقد كان ينفق عليهما ويرعى أحوال إخوانه وينزل إلى قسنطينة مسقط رأسه كل سنة ليزور أهله، فتستمر الزيارة من شهر إلى أربعة أشهر حسب رغبته، فشغله ليس مرتبطا بشركة أو عمل رسمي بل هو مرتبط بعمل شخصي يعتمد على وجود فرص عمل تمتد لعدة أشهر.

يقول أحسن: (خلال التسع سنوات الأخيرة لاحظت تغيرا بدأ في حياتي ربما كان شعوري بالمسئولية ناحية والديَّ وإخوتي، وربما أيضا لتقد العمر بي فقد كنت حينها أبلغ الأربعين تقريبا فتركت النساء محافظة على نفسي وصحتي خوفا من الإيدز، وانصب اهتمامي بعملي أكثر، لكنني لم أترك تدخين الحشيش الذي زرع في دمي رغم محاولاتي المتكررة الإقلاع عنه، كما أنني لم أكن متدينا بحيث استعين بالله ثم بإيماني على تركه فقد كنت أصلي حينا وأترك أحيانا كثير).

خلال السنتين الأخيرتين قابل أحسن أحد المقاولين العرب والذين لهم شركة في دبي لتركيب زجاج البيانات، وجرى الحديث الودي بين الاثنين وتوطدت العلاقة بينهما كونهما عربيين في بلد غربة كلندن، أبدى اْحسن في إحدى المرات رغبته الانتقال إلى مكة أو المدينة للعيش فيهما، فعرض ذلك المقاول على أحسن العمل معه في دبي، لكن اْحسن كان كغيره يريد الحج والعمرة وزيارة المدينة المنورة للصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتوق نفسه إلى العيش والموت فيهما، كحال كثير ممن هم في ظروفه، فطلب الانتقال إلى السعودية فقط، حينها وعده ذلك المقاول بتحقيق رغبته إذا لاحت فرصة قريبة.

كان ذلك هو نقطة التحول في حياة أحسن، فهناك أمل في العيش بمكة ويؤدي الحج والصلاة في أعظم مسجد على وجه الأرض (وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةً۬ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنً۬ا) والمشي في جنبات مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم التي مشى فيها هو وصحابته الكرام وأضاءت العالم بدعوته المحمدية (لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ‌ۚ فِيهِ رِجَالٌ۬ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ‌ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ) -على القول بأنه المسجد النبوي - بدأ التفكير الجدي من اْحسن في ترك تدخين الحشيش والاستقامة والعودة إلى الله عز وجل.

يقول أحسن: (بدأت الخواطر تجول في عقلي فرحا بالانتقال إلى مكة أو المدينة فهناك فرصة جدية يمكن أن تتحقق على يدي هذا المقاول، ولا زال أصل الدين يعتمر في قلي وجذوة الإسلام لم تخمد في فؤادي، فأنا مهما كنت مسلما أؤمن بالله واليوم الآخر وأخاف من ذنوبي رغم بعدي عن الله، ولكن هيهات أن يتحقق ذلك لمدمن الماريجوانا).

(بدأت محاولاتي في تعديل سلوكي وترك الإدمان خلال الثمانية أشهر الأخيرة، لكن ما إن بدأت المحاولات حتى فشلت، فالإدمان يجري في عروقي، أترك يوما أو يومين أو أياما معدودة ثم أعود كما بدأت وربما بشراهة).

(بدأ العد التنازلي وكنت أقول: ربما تأتي الفرصة في أقرب وقت، فماذا أفعل وأنا مدمن الحشيش؟

هل تفوت علي هذه الفرصة؟

هل أفرط في أطهر بقعة على وجه الأرض؟

وأرفع طرفي إلى السماء مناديا على استحياء: يا الله.. يا الله.. حقق رجائي..).

وأردف قائلا: (وضعت برنامجا جديا لنفسي استعنت في ذلك بالله عز وجل القادر على كل شئ ) يَـٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ(، فقررت الصلاة في المسجد خمسة أوقات يوميا دون تأخر أو تلكؤ أو تسويف ، وقررت المكوث بعد الفجر لقراءة القرآن الكريم لمدة ساعة، والصيام كصيام داود عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما).

برنامج جاد وعزيمة قوية طبقها أحسن (يَـٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡڪِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ۬‌ۖ ) (وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ)، مع الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل أن يحقق مطلبه بزيارة مكة والمدينة والسكن في إحداهما (أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ )، يقول: (ما إن طبقت البرنامج وبدأت به حتى كرهت الماريجوانا من اليوم الثاني مباشرة بفضل من الله ومنه وكرمه (وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمً۬ا)، فأصبح من أقبح وأكره الأشياء إلى نفسي وكأنني لم أدخن تلك الحشيشة قط في حياتي، فلم تعد نفسي تشتاق إليها ووجدت صدودا عنها وعدم انجذاب إليها أو غبة فيها، وأخذ ذلك يزداد في داخلي يوما بعد يوم بحمد من الله، وحل محلها القرب من الله والأنس بمناجاته (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ‌ۖ ) ).

ويستطرد (استمريت على هذا البرنامج طيلة عشرين يوما – أي أنني صمت عشرة أيام: أصوم يوما وأفطر يوما - مع المحافظة على الصلوات الخمس في المسجد يوميا وقراءة القرآن بعد الفجر لمدة ساعة تقريبا، فكأنني ولدت من جديد بل فعلا ولدت من جديد وشعرت بطعم الإيمان يستقر في قلبي والرضى والطمأنينة في جوانحي (أَلَا بِذِڪۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَٮِٕنُّ ٱلۡقُلُوبُ)، وشعرت بالقرب من الله عز وجل كأنه معي وتلذذت بمناجاته كأني أراه، فعشت أياما كأنني أسبح في ملكوت الله عز وجل أو أطير وأرفرف في جنان الإيمان في الحياة الدنيا، ما أجملها من أيام كنت أشعر بمعية الله عز وجل ولذة مناجاته قال صلى الله عليه وسلم: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري، مما جعلني أبكي وأندم على حياتي طيلة الثلاثين سنة الماضية وأقول:

أين كنت أسير؟

وإلى أي اتجاه كنت أمشي؟

وأي طريق كنت أسلك؟

وما هذه الحياة التي كنت أمارسها في الماضي؟

وما هذا التفريط في جنب الكريم المنان الذي منحني الصحة والمال؟

ما أحلم الله عني حين أمهلني

وقد تماديت في ذنبي ويسترني

أنا الذي أغلق الأبواب مجتهدا

على المعاصي وعين الله ترمقني

فتنهمل الدموع من عيني ندما على ما مضى وفرحا بما من الله علي من التوبة والعودة إليه، ويأتي شريط الأحداث طوال تلك السنوات الماضية وتأتي تلك المواقف الصعبة والخطيرة التي كدت أفقد معها نفسي، فأقول: الحمد لله لو أنني مت حينها لكنت حطاما لنار جهنم، فأحمد الله عز وجل، وأطأطئ رأسي خجلا مما فعلته في جنب الله).

يقول اْحسن: (أنا أعلم أن الحشيش حتى يخرج من دمي يحتاج على الأقل إلى أربعة أشهر من تركه – هكذا قال الأطباء - ولله الحمد استمريت تلك الأشهر الأربعة وأنا أشعر بقرب الله عز وجل مني، حتى خرج من دمي ورجعت إلي صحتي وزال البلغم من صدري، بل وذهب ذلك السعال الذي لازمني طيلة العشرين سنة الماضية وأصوات الصفير التي مابرحت معي طوال إدماني لهذه الحشيشة الخبيثة، واعتدل مزاجي وذهب عني الاكتئاب والأفكار السيئة التي كانت تنتابني وأصبحت الدنيا فسيحة كأنها تضحك في وجهي بعدما كانت أضيق من ثقب إبرة علي نفسي (فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُ ۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُ ۥ لِلۡإِسۡلَـٰمِ‌ۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُ ۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُ ۥ ضَيِّقًا حَرَجً۬ا ڪَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ‌ۚ ڪَذَٲلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ) (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُ ۥ لِلۡإِسۡلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ۬ مِّن رَّبِّهِۦ‌ۚ ) ).

(فولدت من جديد.. إنسانا جديدا.. لم يتغير اسمه ولم تتغير أعضاؤه، ولكنه تغير جذريا من الداخل.. تغيرت مفاهيمه وأفكاره ونظرته إلى الحياة والتي كانت نظرة بهيمية دون هدف، إلى نظرة راقية يشعر بأن له هدفا عميقا ساميا ودورا مهما خلقه الله لأجله (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ) (أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ عَبَثً۬ا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ) (ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلاً۬) ).

(تغيرت حياتي جذريا فألفت المسجد وتركت العمل كرها في تلك البلاد، وأصبحت قليل الخروج من السكن خوفا على نفسي من الفساد والتعرض للفتن، فحُبِبَ إليَّ المكوث في البيت كثيرا بعدما كنت لا أرجع إليه إلا للنوم والراحة، وكنت أمكث ساعات مع قنوات القرآن الكريم وقنوات السنة دون كلل أو ملل وبالأخص قناة السنة النبوية السعودية، فأشعر بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنني بينهم وكأنهم أحياء معي، وكرهت حياة الحضارة الغربية البهيمية التي لا تتعدى إشباع رغبات النفس والتي كانت يوما من الأيام قبلتي، فأصبح أهلها عندي كأنهم والأنعام سواء بسبب غفلتهم عن الآخرة وتركهم العمل ليوم يجعل الولدان شيبا وصدق فيهم قوله تعالى (يَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرً۬ا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأَخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ) ، واشتاقت نفسي إلى مكة المكرمة مهبط الوحي، ومجاورة البيت الحرام وكذلك المدينة المنورة والصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم).

(ثم تأتي البشارة التي كنت أنتظرها بفارغ الصبر طوال عمري، أتتني البشارة من المقاول بأنه فَتح فرعا للشركة في السعودية وأنه يمكنني الانتقال للعمل هناك في الرياض!

يا الله.. هل هذا صحيح؟

هل ما ذكره ذلك المقاول حقيقي؟

هل سأنتقل إلى مكة والمدينة؟

هل ستطأ قدماي تلك البقاع المقدسة بعد انتظار دام ثمانية أشهر؟

سبحان الله.. ثمانية أشهر وأنا على توبتي كأنها دورة إيمانية لي حتى أثبت على دينه القويم وأغير حياتي من حياة الحيوان إلى حياة الإيمان (مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحً۬ا مِّن ذَڪَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٌ۬ فَلَنُحۡيِيَنَّهُ ۥ حَيَوٰةً۬ طَيِّبَةً۬‌ۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا ڪَانُواْ يَعۡمَلُونَ ) صحيح أن البشارة لم تكن مكة أو المدينة لكنها على الأقل عاصمة بلاد الحرمين، امتلكتني فرحة عظيمة غامرة شعرت أن الله عز وجل حقق رغبتي واستجاب دعائي (وَقَالَ رَبُّڪُمُ ٱدۡعُونِىٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِى سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وأخرجني من تلك البلاد التي كرِهَتْها نفسي ولم أعد أطيق العيش فيها، واشتاقت نفسي إلى بلاد الإسلام التي أسمع فيها الأذان يجلجل خمس مرت في اليوم والليلة، وأرى إخواني المسلمين الذين يرتبطون معي بأعظم رابط وهو الإيمان يتجهون معي صوب المسجد للصلاة خمس مرات، إنها نعمة عظيمة لا تقدر بثمن (وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآ‌ۗ ) (وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ۬ فَهَدَىٰ).

(لقد عرفتُ الحضارة الغربية الجوفاء والتي لها بريق ظاهري خداع وجذاب لكنها خاوية من الداخل منخورة من الجوف بل هي جحيم وألم وحرمان لا يطاق، فأهلها يعانون منها أشد المعاناة فيكثر فيهم الانتحار والهروب من واقعهم المر بالمسكرات والمخدرات (وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِڪۡرِى فَإِنَّ لَهُ ۥ مَعِيشَةً۬ ضَنكً۬ا وَنَحۡشُرُهُ ۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ) لكنها مع الأسف تستهوي أبناء وشباب الأمة، وما علموا أن نور الإيمان والركون إلى الإسلام هما الحياة الحقيقية الراقية المليئة بالراحة والطمأنينة الموافقة لطبيعتهم البشرية، والتي يبحث عنه الكفار فلا يجدونها بسبب كفرهم وعنادهم (أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُ ۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعً۬ا وَڪَرۡهً۬ا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ) ) .

(لم تكن الرياض غريبة علي عندما هبطت الطائرة في مطارها ووطأت قدماي أرضها، يا الله ما أجملها من لحظات وأنا أنزل ضيفا على أحفاد الصحابة الذين سطروا الملاحم وكتبوا التاريخ ونشروا الإسلام في ربوع الأرض، فكأني أعرفها منذ سنوات طويلة رغم أنني لأول مرة آتي إليها، وهكذا المسلم كل بلاد الإسلام هي بلاده، لقد حطت أقدامي بها بتذكرة ذهاب لم أقص معها تذكرة العودة إطلاقا لأنني لم ولن أفكر بالرجوع إلى هناك أبدا بحول الله.

بالشام أهل وبغداد الهوى وأنا

بالرقمتين وبالفسطاط جيراني

وما أظن النوى ترضى بما صنعت

حتى تطوّح بي أقصى خراسانِ

صحيح أن راتبي قل عن ذي قبل، لكن لم تكن المادة هي طموحي منذ عرفت ربي، بل الاستقرار في مكة أو المدينة هو هدفي وها أنا أجهز نفسي للخطوة التالية وهي أداء العمرة والانتقال للعمل في مكة، ومن حسن حظي وتوفيق الله عز وجل لي أن أبلغني المقاول قائلا: (أن هناك فرصة عمل لك في مكة حيث ستتولى الشركة مشروعا فيها وهو ما يلبي رغبتك السكن في بلد الله الحرام) ).

انتهت قصة جاري اْحسن والذي قصها علي في فترات متقاربة وأذن لي بكتابتها ونشرها للعظة والعبرة وهو لم يمكث سوى أسبوعين أو ثلاثة بالرياض.

اللهم اغفر له وثبته وارزقه توبة نصوحا وذرية صالحة واجعله بارا بوالديه واهده وجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين.

عبدالعزيز بن محمد الحويطان

7/7/1432هـ الموافق 9/6/2011م

   طباعة 
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
 
 
المارجيوانا , الحشيشة , توبة , داود , الصلاة , القرآن , المدينة , الجزائر , صيام , المنورة , قراءة , احسن , التوبة , المخدرات , مكة , الزجاج , قسنطينة
التعليقات : تعليق
 
« إضافة تعليق »
23-06-2011 11:57

23-06-2011 11:56

13-06-2011 04:47

[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 5 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
 
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
 
 
جديد المقالات
 
جديد المقالات
 
 

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

اعلان
القائمة الرئيسية

القائمة العامة

الصوتيات والمرئيات

استراحة الموقع

احصائيات الزوار

احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 228
بالامس : 1209
لهذا الأسبوع : 5654
لهذا الشهر : 31098
لهذه السنة : 64925
منذ البدء : 2506214
تاريخ بدء الإحصائيات: 9-5-2011 م

القائمة البريدية


أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا

مواقيت الصلاة

جديد الفلاشات

ثورة سوريا