-------------------------

ثورة سوريا

وقفات حول جنازة العلامة الشيخ عبدالله بن عقيل

عرض المقال
 
وقفات حول جنازة العلامة الشيخ عبدالله بن عقيل
3444 زائر
08-09-2011 02:42
عبدالعزيز الحويطان

صليت عليه عصر الأربعاء في مسجد الملك خالد بأم الحمام.. تحركت بسيارتي قبل أذان العصر بثلث ساعة تقريبا لقناعتي بأن المسجد سيغص بالمصلين عن بكرة أبيهم ولخوفي من الصلاة خارج المسجد في الشمس وأيضا حتى لا أوقف السيارة مسافة بعيدة عن المسجد نظرا لكثرة السيارات فيذهب الوقت علي في قطع المسافة الطويلة للوصول إلى المسجد، ولي تجربة سابقة عندما مات أحد العلماء فلم أجد موقفا إلا على بعد كيلو متر تقريبا مما فوتني الصلاة عليه.

وصلت بعد أذان العصر وركنت سيارتي بطريقة خاطئة طمعا في القرب من المسجد، وشققت طريقي بين أرتال السيارات، وما إن أقبلت على المسجد حتى رأيت كثرة الأحذية عند أبواب المسجد المتعددة مما يوحي بكثرة الناس داخله، اخترت الدخول من مؤخرة المسجد طمعا في خلوها من المصلين، حيث دخلت من الباب الشمالي الشرقي ووضعت حذائي في منطقة شجيرات صغيرة زرعت بجانب الباب عليها شبك من حديد حتى لا أضيعها عند الخروج، دلفت إلى المسجد وقد امتلأ ثلاثة أرباعه بالمصلين والحمد لله المكيفات كانت باردة صليت تحية المسجد وما إن سلمت حتى غص المسجد بالمصلين، وصلى الناس في الخارج، لم تتأخر إقامة الصلاة بحمد الله حتى يتسع الوقت لدفن الشيخ، الناس عن يمينك وشمالك شبابا وشيبا كهولا وصغارا علماء وطلبة علم و مثقفين وعواما بل حتى مصلى النساء امتلأ بالنساء، جميعهم أتوا للصلاة على الشيخ، ما الذي أتى بهم؟ أكلهم يعرف الشيخ من قرب؟ هل للشيخ نعمة عليهم يردون جميله؟ إنه والله الذكر الحسن الذي ينشره المولى عز وجل لعباده المتقين، إنه والله النصح للأمة والسعي لحفظ دينها فيكافأ الله ورثة الأنبياء بهذه المكافأة في الدنيا قبل الآخرة، رحمك الله يا ابن عقيل وصدق الإمام أحمد عندما قال: (قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز)، ولقد علمت أن أحد من يوصم بأفكاره السيئة عندما مات قبل فترة ما شهد جنازته سوى عشرين شخصا، بعد الانتهاء من صلاة العصر أم المصلين سماحة مفتي البلاد الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ بالصلاة على الميت الشيخ عبدالله بن عقيل ومعه بعض الجنائز حيث صلى الناس بخشوع يتضرعون ويدعون لذلك العلامة ومن معه بقلوب نحسبها مخلصة متوجهة إلى بارئها، رحم الله الشيخ ورفع درجته في عليين.

بعد الانتهاء من الصلاة تأنيت قليلا حتى يخف الزحام عند الأبواب إذ كثير من الناس سيتبع الجنازة، وأنا لا أحب مزاحمة خلق الله لا في المقبرة ولا في الذهاب إليها، بعد ما خف الزحام أخذت حذائي واتجهت للسيارة لتعديل موقفها حيث أنها ضيقت الطريق ووجدت مع سيارتي عشرات السيارات التي ركنها أصحابها بأي طريقة حرصا على إدراك الصلاة على الشيخ، بعدما ركنتها في الموقف المخصص اتجهت إلى المقبرة وهي قريبة من المسجد وتقع إلى الجهة الجنوبية الغربية منه يفصلها عن المسجد شارع أم الحمام الرئيس، والمقبرة تقع إلى الغرب من المنطقة الصناعية بام الحمام وبعدها عن المسجد قرابة 300- 400متر تقريبا والناس يذهبون على أرجلهم للمقبرة وربما أغلقوا بكثرتهم الطريق أثناء ذهابهم لأنهم يقطعون المسارين الذاهب والآتي، وقطعا أغلقوا الطريق في اتباع جنازة الشيخ، ووجدت والناس سبقوني إلى المقبرة، دخلت المقبرة ولمحت بعض الجنائز وقد انتهي من دفنها ورأيت جموعا كبيرة وغفيرة في الجهة الشرقية من المقبرة نظرا لامتلاء الجهة الغربية بالقبور ولم يتبق من المقبرة سوى مساحة لا بأس بها في الجهة الشرقية، ووجدت أن الشيخ يدفن في أقصى الجنوب بالقرب من سور المقبرة، والشمس حارة والعرق يتصبب من الحضور والجموع غفيرة بحيث تقف على بعد مائة مترا أو أكثر من القبر غير من نأى بنفسه كلية عن الزحام ووقف بعيدا، والناس متسمرون يحتسبون شهود الجنازة وقيل لي: إن سماحة المفتي في المقبرة ووجدت جموعا غفيرة من الناس قيل: إنها تسلم عليه رغم أنني لم أره، ولم أتحمس للذهاب حتى لا أزاحم الناس وحتى لا تفوتني متابعة دفن الشيخ، وقد تأخر دفن الشيخ كثيرا بسبب أن أبناءه جزاهم الله خيرا تركوا فرصة للناس لحثي التراب على قبره بأيديهم، حتى قال ابنه: نحن ندفنه في خمس دقائق لكن لا نريد أن نحرمكم الأجر، ولا يخلو الانتظار من السلام على هذا وذاك من تلامذة الشيخ الذي ثنوا ركبهم أمامه لطلب العلم أو زميل لم تره منذ فترة، ورأيتني بعد فترة ليست بالقصيرة أسبح في عرقي وبدأت أدخل أكثر في الزحام حتى وصلت للقبر ووجدت أنه يحول بيني وبينه جموع من الناس هداهم الله يتفرجون على الدفن لاهم بالذين دفنوا ولاهم بالذين تركوا فرصة للجموع خلفهم للدفن، شققت الطريق من بينهم وأنا أقول: دعوا فرصة لإخوانكم أثابكم الله حتى وصلت القبر ورأيته وقد امتلأ قرابة ثلثيه بالتراب والناس يحثون بأيديهم اتباعا للسنة فسميت الله وحثيت معهم.. يالله هنا سيرقد جثمان ابن عقيل رحمه الله الذي طالما درس وعلم وبذل وأعطى من وقته وعقله وحتى من جسده النحيل بل من صحته الكثير الكثير.. لتعليم عباد الله الدين دون كلل أو ملل طيلة أيامه احتسابا للأجر من الله عز وجل، والناس مشغولون في أمور دنياهم، جعل الله قبرك روضة من رياض الجنان وبلغك منازل الصدقين والشهداء والصالحين.

ثم رجعت مرة أخرى إلى مكاني تاركا المجال لغيري، ما إن ابتعدت قليلا حتى رأيت شخصا يرفع نظارة يسأل عن صاحبها وإذ بها نظارتي بعدما تلمست جيبي فوجدته فارغا، فكررت راجعا لأخذها ولكن هيهات فالجموع كبيرة لكن بحمد الله أرشدوني إلى أنها وضعت على سور المقبرة القريب من القبر حيث أن القبر لا يبعد كثيرا عن السور، وضعوها هناك عندما لم يتقدم أحد لأخذها فتناولتها من السور بمساعدة أهل الخير وهي عزيزة على نفسي، وكنت أسمع بينة آونة وأخرى من ينهى عن التصوير، وقد سمعت من بعضهم أن أبناء الشيخ لا يرضون بالتصوير حيث أن بعضهم يصور بالجوال.

رجعت إلى مكاني قرابة النصف ساعة ووجدت أنهم في آخر الأمر جدوا وبدأوا يستخدمون المعاول والمساحي في الدفن حتى أتموا دفن الشيخ رحمه الله، والناس مابين ذاكر لله وصامت حزين.. ومن قائل: اسألوا الله له الثبات فإنه الآن يسأل.. ومن قائل: لا تنسوا الدعاء له.. ومن مترحم عليه، لما انتهوا من الدفن وبدأت الجموع تنفض رأيت رجلا في الخمسين من عمره تقريبا عرفت أنه أحد أبناء الشيخ فقد كنت أراه بين فينة وفينة وهو الذي يشرف على دفن الشيخ في المقبرة، بعد الانتهاء أخذ يتحدث بعيدا عن القبر فقربت منه ووجدته يشكر من حضر ويقول: إن أبي في حياته يكن لكم صادق الحب والود والإخاء، ويفرح بزواره وطلبته فجزاكم الله على شهود الجنازة، وقال: إن أبي عندما سقط قبل تسعة أشهر - أظنه سقط في الحمام أثناء وضوئه للصلاة فأغمني عليه وهذا الظن مني كما سمعت من أكثر من مصدر - بقي كأنه نائم في المستشفى لم يتغير منه شئ ولم يتعبنا في متابعته ومراعاة حاله، يقول: تم استدعاؤنا أمس الثلاثاء عصرا وأبلغنا الطبيب أنه يحتضر وكنا نرى الأجهزة وعداداتها تنزل وتتراجع وهو في وضع نائم لم يتحرك حتى وصلت للصفر فقيل لنا: إنه مات، ولم نلاحظ عليه سكرات الموت أو حشرجة الروح أو تحرك الأعضاء عند الموت واضطرابها، فخرجت روحه بحمد الله خروجا سهلا سلسا، ولم نعلم أنه مات إلا بعد قول الطبيب: إن قلبه توقف، فالحمد لله على فضله ورحمته، وهذه من علامات حسن الختام إن شاء الله، ثم قال ابنه: إن الشيخ يوسف العطير وهو من المحتسبين لتغسيل الموتى منذ ثلاثين سنة كما أنه من كبار تجار البلد غسله ظهر اليوم الأربعاء وأنه لاحظ طراوة جسمه حيث لم يتيبس أو يتخشب جثمانه أو يتغير منه شئ كأنه نائم بل تعلوه ابتسامة وإشراقة ووضاءة عجيبة، وهذه بحمد الله علامات خير للميت، ثم قال ابنه: إن أبي كان يفرح بمجيئكم وزيارتكم ونحن بحمد الله باقون على طريقته فالبيت مفتوح يوم الأربعاء ليلة الخميس للزوار كعادة الشيخ وهو حي فحياكم الله ولا تنسوه من دعائكم، انتهى كلامه.

لم أشأ الاستعجال بالخروج حيث أنها فرصة لتقديم العزاء لصاحب لي عزيز تعرفت عليه في مجلس الشيخ لم أره منذ قرابة السنتين، وآخر مرة رأيته كان عند الشيخ رحمه الله، لكن كيف لي أن أراه بين هذه الجموع الغفيرة، إن البحث عنه مضيعة للوقت فكأنك تبحث عن الإبرة في كومة القش، لكن بتوفيق من الله عز وجل وجدته بعدما خف الزحام فسلمت عليه على عجل لأن المجال لا يتسع للحديث، ودلفت راجعا إلى سيارتي ولم يبق على أذان المغرب سوى نصف الساعة تقريبا.

رحمك الله يا ابن عقيل وأجزل لك المثوبة وأفسح لك في قبرك ونسأ لك في أثرك، والعالم لا يعوض عند موته، قال بعض السلف في قوله تعالى: (أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) قال: موت العلماء وفي الصحيحين: إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا ولكن يقبض العلماء.. الحديث.

   طباعة 
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
 
 
الشمس , المسجد , حتى , أبيهم , تقريبا , العصر , عليه , مسجد , بالمصلين , الأربعاء , الصلاة , طويلة , تحركت , الحمام , ولخوفي , أذان , السيارة , سيغص , السيارات , صليت , خالد , قبل , عصر , وأيضا , نظرا , الملك , بثلث , لكثرة , بكرة , ساعة , بأم , مسافة , خارج , بسيارتي , أوقف , بأن , لقناعتي
التعليقات : تعليق
 
« إضافة تعليق »
10-09-2011 05:55

[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 1 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
 
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
 
 
جديد المقالات
 
جديد المقالات
 
 

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

اعلان
القائمة الرئيسية

القائمة العامة

الصوتيات والمرئيات

استراحة الموقع

احصائيات الزوار

احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 3083
بالامس : 1174
لهذا الأسبوع : 8669
لهذا الشهر : 23269
لهذه السنة : 230601
منذ البدء : 2671935
تاريخ بدء الإحصائيات: 9-5-2011 م

القائمة البريدية


أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا

مواقيت الصلاة

جديد الفلاشات

ثورة سوريا